الجصاص
28
أحكام القرآن
بكر قال : حدثنا أبو داود قال : حدثنا عثمان بن أبي شيبة قال : حدثنا عبدة عن محمد بن إسحاق عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عمر قال : " نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكل الجلالة وألبانها " . وحدثنا محمد بن بكر قال : حدثنا أبو داود قال : حدثنا ابن المثنى قال : حدثنا أبو عامر قال : حدثنا هشام عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس : " أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن لبن الجلالة " . قال أبو بكر : فكل من خالف في هذه المسائل التي ذكرنا من ابتدائنا لأحكام قوله تعالى : ( قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه ) وأباح أكل ما ذهب أصحابنا فيه إلى حظره ، فإنهم يحتجون فيه بقوله تعالى : ( قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما ) الآية . وقد بينا أن ذلك خرج على سبب فيما كان يحرمه أهل الجاهلية مما حكاه الله عنهم قبل هذه الآية مما كانوا يحرمونه من الأنعام ، ولو لم يكن نزوله على السبب الذي ذكرنا وكان خبرا مبتدأ لم يمتنع بذلك قبول أخبار الآحاد في تحريم أشياء لم تنتظمها الآية ولا استعمال القياس في حظر كثير منه ، لأن أكثر ما فيه الإخبار بأنه لم يكن المحرم من طريق الشرع إلا المذكور في الآية ، وقد علمنا أن هذه الأشياء قد كانت مباحة قبل ورود السمع ، وقد كان قبول أخبار الآحاد جائزا واستعمال القياس سائغا في تحريم ما هذا وصفه ، وكذلك إخبار الله بأنه لم يحرم بالشرع إلا المذكور في الآية غير مانع تحريم غيره من طريق خبر الواحد والقياس . وقوله تعالى : ( على طاعم يطعمه ) يدل على أن المحرم من الميتة ما يتأتى فيه الأكل منها ، فلم يتناول الجلد المدبوغ ولا القرن والعظم والظلف والريش ونحوها ، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم في شاة ميمونة : " إنما حرم أكلها " وفي بعض الألفاظ : " إنما حرم لحمها " . وقوله تعالى : ( أو دما مسفوحا ) يدل على أن المحرم من الدم ما كان مسفوحا وأن ما يبقى في العروق من أجزاء الدم غير محرم ، وكذلك روى عن عائشة وغيرها في الدم الذي في المذبح أو في أعلى القدر أنه ليس بمحرم ، لأنه ليس بمسفوح وهذا يدل على أن دم البق والبراغيث والذباب ليس بنجس إذ ليس بمسفوح . فإن قيل : قوله تعالى : ( قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه ) وإن كان إخبارا بأنه ليس المحرم في شريعة النبي صلى الله عليه وسلم من المأكولات غير المذكور في الآية ، فإنه قد نسخ به كثيرا من المحظورات على ألسنة الأنبياء المتقدمين ، فلا يكون سبيله سبيل بقاء الشئ على حكم الإباحة الأصلية بل يكون في حكم ما قد نص على إباحته شرعا ، فلا يجوز الاعتراض عليه بخبر الواحد ولا بالقياس . والدليل على أنه قد نسخ بذلك كثيرا